بين أوراقي ..، حيثُ أجدني

   

 

أعشق رائحة الورق الأصفر المتآكل المُوغِل في القدم تستثيرني تشققاته ..

تجذبني ضربات حبره فأُقبِل بنهم على ارتشاف السطور وتذوقها حرفًا حرفا

اليوم وجدتُ كنزًا .. لم أعتقد يومًا بوجودِه

 أحببتُ القراءة مع أول حرفٍ تعلمتُ طريقة رسْمِه

في السادسة من العمر بدأت بشراء مجلات الأطفال فكانت مجلة ماجد الإماراتية هي عشقي الدائم بصورها الزاهية وطرائفها الرشيقة و صراع الأختان شمسه الطيبة الهادئة و دانه الفتاة الشقيّة ..

وربما يتذكّر الجميع حكاية البحث عن فضولي تلك الحكاية التي نسجتها بيدي من خلال التحدي بيني وبين إخوتي الذكور من يجده قبل الآخر .. !

في مكتبة المدرسة تعرفتُ على سندريللا وذات الرداء الأحمر والأميرة بأقزامها السبعة ..

كبرتُ قليلاً فأحببتُ كل قصة تحكي تاريخًا .. ربما أردتُ حينها التحرر من خيالات الصغار فأقبلتُ للتعمّق أكثر و أكثر في بحر الواقع  .. كم كنتُ غبية حينها ..!!

في المرحلة المتوسطة شعرتُ بأني امرأة ناضجة وعاقلة و لابد أن أُنزّه نفسي عن سفاسف الطفولة و أبتعد عن قصصهم التافهة ..

حينها توجهتُ لقراءة " سلسلة مغامرات الرجل المستحيل " في البداية أحببتها .. ولكن في أحد أيام الدراسة جاءت صديقتي تحكي لي عن رواية بوليسية انتهت من قراءتها حديثًا ..

أخذت تصفها لي بانبهار وظلّت طوال اليوم تحكي فصولها حالما تخرج المعلمة من الفصل .. كنّا نقتنص أي فسحةٍ من الوقت لتكمل سرد الرواية لي .. ومع كل حَدَث يزداد حماسي .. طلبتها منها فأخبرتني من أين اشترتها ومع أوّل نهاية أسبوع ذهبتُ لشرائِها ..

 أجاثا كريستي .. تلك الروائية التي شغفتني بحب رواياتها فهجرتُ الرجل المستحيل إلى غير عودة من أجلها ..

في سن الرابعة عشر أصبحتُ أميل للعزلة ..!

ربما بعد حادثة الكرة التي كنتُ من عشاقها لعبًا وتشجيعًا بسبب نشأتي بين إخوتي الذكور ..

في تلك السنة شعرتُ بتذبذب في شخصيتي فكنتُ أنظر لأخوتي و أتحسّر لعدم مشاركتي معهم في اللعب العنيف من مصارعة وكاراتيه وكرة قدم ..

آنذاك طلبت أمي من أختي الكبرى أن تنتبه لي وتقرّبني منها .. صدقًا لم أكن أحبُّ أختي فهي تعيش في عالم آخر بين قصائد خالد الفيصل وكثيرين غيره ..

سأفضي لكم بأحد أسرارها .. أختي لديها ألبوم صور من الحجم الكبير  تجمع فيه قصاصات القصائد المتناثرة في الصحف والمجلات وتضعها في ذلك الألبوم بجانب صورة شخصية لصاحب القصيدة و اسمه .. لفتت انتباهي تلك الحركة فبدأت بقراءة الشعر لأكتشف السحر الذي تعيشه أختي !..

جذبني الشعر المرسل أكثر من شعر القافية..

 فوجدتُ نفسي بين نزف مشاعر البدر " كنتُ أعشق قصائده ولا زلت " تربيت بين قصائده على حب الأرض والوطن .. حب البشر .. وحب الآخر ..؟؟ !!!

هنا بدأتُ أُسَائِل نفسي عن هذا الآخر ولماذا نبكي من أجله .. ولماذا نسكب مشاعرنا على الورق شوقًا إليه :(

 من أسرار أختي أيضًا الاحتضان الدائم لآلة التسجيل ، فتارةً تبحثُ بين محطات الراديو عن برامج أدبيه و أمسيات شعريه وتارةً أخرى تستمع لمطربها المفضّل خالد الشيخ أو عبدالله الرويشد أو ميّادة الحناوي .. أحببتُ ميادة أكثر من غيرها .. هذا الرأي كان قبل أن أجد ماجِده : ) 

ففي إحدى لحظات تقليد أختي والبحث بين محطات الراديو سمعت صوتًا أيقظ جميع حواسي ، سلبني حتى من نفسي

 يسمعني حين يراقصني "

كلمات ليست كالكلمات

يأخذني من تحت ذراعي

يزرعني في أحلى الغيمات

والمطر الأسود في عيني يتساقط زخات زخات

يحملني معه يحملني لمساء وردي الشرفات

وأنا كالطفلة في يده كالريشة تحملها النسمات

يهديني شمسا يهديني صيفا وقطيع السنونوات

يخبرني أني تحفته وأساوي آلاف النجمات

 وبأني كنز وبأني أجمل ما شاهد من لوحات

يروي أشياء تدوخني تنسيني المرقص وخطوات

 كلمات تقلب تاريخي تجعلني إمرأة في لحظات

يبني لي قصرا من وهم لا أسكن فيه سوى لحظات

 وأعود أعود إلى طاولتي لاشئ معي إلا كلمات "

 

نعم كانت ماجدة الرومي .. أدمنتها .. تتبعت صوتها أينما كان وبأي قصيدةٍ شدا ..

كانت مفضلتي .. و بسببها بدأتُ أميل لهدوء الليل والسهر على نغماتها ..

توقفت عن قراءة الروايات البوليسية لأنها لم تعد تواكب عطشي لمعرفة الآخر ..

 وحينذاك تاقت نفسي لقراءة روايات الحب وعذابه لأفهم كيف تُغني ماجده للحب .. ولماذا ..؟ !!

أدمنتُ قراءة الروايات الرومانسية ..

 وعن طريق المجلات وزياراتي الدائمة للمكتبة تعرفتُ على أجمل القصص و مبدعيها ..

كان في نهاية كل رواية صفحة خاصّة بمنشورات الدار وإصداراتها .. فكنتُ أبحث عن تلك الإصدارات التي تجذبني عناوينها ..

وهكذا بدأت رحلتي مع الفن الروائي .. الروايات التي لا أجدها هنا .. أسجّلها في ورقة وحالما يُسافر أحد إخوتي أطلبها منهم كهدية .. خاصةً من مصر و دبي ..

 أحد إخوتي يقول بأنه تعرّض لموقفٍ محرج بسببي .. فحالما دخل البلاد وبدأ التفتيش على المسافرين .. انتبه رجل الأمن في المطار لحمولة الكتب الكبيرة التي بحوزة أخي .. فأخذ يقلّب تلك الكتب وكان بعضها ممنوعًا من التداول في بلادي العزيزة . وبعد أن أنتهى من التقليب ابتسم في وجه أخي قائلاً : الأخ ناوي يفتح مكتبة

حينها تنفّس أخي الصعداء وهو في نفسِه يكيلني بأعنف الشتائم و أقسى اللعنات

\

 كنزي الذي وجدتُه اليوم كان حقيبة من الحجم الكبير تقطن في السقيفة العلوية من منزلنا .. و بجوارها العديد من خردة المنزل القديم ..

هذه الحقيبة كانت مليئةً بالقصص والروايات لأدباء مصريين و أجانب .. يبدو أنني حشرتها حشرًا حين عزمنا الانتقال لمنزلنا الحالي .. وتناسيتها مع زحمة الانشغال والترتيب ثم نسيتها مع استقدام روايات أخرى جديدة ..

هل تصدقون .. !!؟

منذُ سنة تقريبًا كنتُ أبحث عن رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ وبعد أن وجدتها ككتاب الكتروني لم أتمكن من قراءتها على الشاشة لافتقادي لذة احتضان الرواية ..

في كنز السقيفة وجدتها تطل برأسها بورقها القديم ..

 أولاد حارتنا – رواية – نجيب محفوظ – دار الآداب – بيروت "الطبعة السادسة – 1986م .

\

 وجدتُ روايات عديدة لكاتبي المفضّل " محمد عبدالحليم عبدالله " هل تذكرونه ..؟ !!

تعرفتُ عليه عن طريق كتاب البلاغة للصف الثالث ثانوي .

." غصن الزيتون – لقيطة – شجرة اللبلاب – الضفيرة السوداء – الدموع الخرساء –الجنة العذراء – شمس الخريف "

و للمنفلوطي نصيب من قراءاتي " ماجدولين – الشاعر - الفضيلة – العبرات – النظرات "

توفيق الحكيم " عودة الروح " ج1 ج2

وجدتُ أيضًا بائعة الخبز لـ كزافيه دي مونتابين .. كوخ العم سام ..

 رائعتا فيكتور هوجو " البؤساء - أحدب نوتردام " وغيرها الكثير …

قريبًا سأزودكم بصورة تجمع كتبي المتناثرة ..

فلا أخفيكم مدى فخري بنفسي حين أعلم أنّي قضيتُ سِنِيّ مراهقتي بين أروقة كنزي الصغير 

قبل أن أُغلق هذا الفصل من يومي .. أخذتُ عهدًا بيني وبين نفسي أن أنفض الغبار عن هذه الأوراق الصفراء و أقرأها من جديد ..

فـ للكتاب مُتعةٌ لا تُضاهَى .. ويكفيني ما فاتني من متعة

ربما لا تجدون بين متصفحي ما يُثيركم : )

 ولكن حتمًا يوجد لدى كُلِّ منكم زاوية مُضيئة في حياتِه يودُّ إيقاظها واستعادتها ..!!

؛

التعليقات 2 على “بين أوراقي ..، حيثُ أجدني”

  1. 1212:

    تسلسل جميل ,,

    وتوقف . . !

    فتــره من الزمن ..؟

    اوراق . . اثبتت وجودكـ . .

    من خلال . . فكــر راقـي . .

    لـــه تأثيره على ذائقتنا. .

    متـــابع لمــا يخطــه قلمكـ

    المتميــز . . /

  2. vlvl:

    .

    1212

    الى من نعت نفسه بأرقام قد تُخفي سرًّا وراءها .!!
    لن أتطفّل لأعرف ماهيته ..!

    فـ يكفي نيلي شرف اطلالتكم هنـا
    ويكفي معانقتكم لحرفي المتواضع ..

    كُنْ دائمًا بخير ..

    .

أكتب تعليقاً